وهبة الزحيلي

170

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

سبعة أبحر موجودة محيطة بالعالم ، والعرب تذكر السبعة والسبعين والسبع مائة ، وتريد بذلك الكثرة . والخلاصة : أن الآية تخبر عن عظمة اللّه وكبريائه وجلاله وكلماته التامة ومعلوماته وأسراره التي لا يحيط بها أحد ، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « سبحانك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » فمعلوماته تعالى لا نهاية لها . ويكون المراد بكلمات اللّه : معلوماته ، وقيل : هي ما في المعدوم ، دون ما خرج من العدم إلى الوجود « 1 » . ونظير الآية : قُلْ : لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي ، لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ الكهف 18 / 109 ] وليس المراد بقوله : بِمِثْلِهِ آخر مثل فقط ، بل بأمثاله ، لأنه مفرد مضاف فيعم ، كما أن كَلِماتُ وإن كانت جمع قلة ، تفيد هنا الكثرة ، لأن جموع القلة إذا تعرفت بالألف واللام غير العهدية ، أو أضيفت ، عمّت ، وصارت لا تخص القليل ، والعام مستغرق جميع أفراده . ولما بيّن اللّه تعالى كمال قدرته وعلمه وأن كلماته ومعلوماته لا يحيط بها أحد ، أوضح أن هذا الخلق غير المنحصر قد أحاط به علما ، وأنه قادر على البعث والمحشر كما قدر على الخلق أول مرة ، فقال : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كسبة خلق نفس واحدة ، الجميع هيّن عليه ، كما قال : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ [ يس 36 / 82 ] وقال تعالى أيضا : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر 54 / 50 ] أي لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة ، فيكون ذلك الشيء ، لا يحتاج

--> ( 1 ) البحر المحيط : 7 / 192